محمد بن محمد ابو شهبة

395

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

صائغ هناك منهم ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت ، فعمد الصائغ إلى عمل مشين ، فقد عقد طرف ثوبها إلى ظهرها وهي لا تشعر ؛ فلما قامت انكشفت سوأتها ، فضحكوا منها ، فصاحت واستغاثت ، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله ، فتجمع اليهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين فغضب المسلمون ووقع الشر بينهم وبين اليهود . ولا تنس ما لهذا العمل الدنيء من إثارة النفوس العربية التي جبلت على حماية الأعراض ، وصيانة النساء من مثل هذا العبث ، والاستهانة بكل شيء في سبيل الشرف والكرامة . غزوة بني قينقاع لذلك لم يجد النبي بدا من غزوهم وقد نقضوا العهد بهذه الفعلة النكراء ، وأخبرهم بنقض العهد الذي كان بينه وبينهم تأدبا بأدب القران في هذا حيث يقول : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ « 1 » . ثم حاصرهم خمس عشرة ليلة حتى نزلوا على حكم اللّه ورسوله ، فاستشار الرسول كبار أصحابه فأشاروا بقتلهم ، وكان لهم حليفان : عبد اللّه بن أبيّ المنافق ، وعبادة بن الصامت ، فأما عبادة فقد تبرأ إلى اللّه ورسوله منهم وقال : ( يا رسول اللّه ، أتولّى اللّه ورسوله وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم ) « 2 » . وأما ابن أبي فقال : ( يا محمد أحسن في موالي ) ، فأعرض عنه الرسول ، ثم كرر مقالته والرسول يعرض عنه ، وما زال يلح على الرسول ويقول : ( إني أخشى الدوائر ) ، حتى قبل شفاعته فيهم على أن يخرجوا من المدينة ولهم النساء والذرية وللمسلمين الأموال .

--> ( 1 ) سورة الأنفال : الآية 58 . ( 2 ) هذا هو الصحيح لا ما ذكره الدكتور هيكل في كتابه « حياة محمد » ، ص 274 من أنه حدث النبي بحديث ابن أبي وشفع فيهم .